مجمع البحوث الاسلامية
170
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
( وأرسلناك ) والوقف على قوله : ( فمن نفسك ) . وقالت طائفة : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ هو استئناف إخبار من اللّه أنّ الحسنة منه وبفضله ، ثمّ قال : وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ على وجه الإنكار والتّقدير ، وألف الاستفهام محذوفة من الكلام ، كقوله : وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ الشّعراء : 22 ، أي وتلك « 1 » نعمة ، وكذا بازِغاً قالَ هذا رَبِّي الأنعام : 77 ، على أحد الأقوال ، والعرب تحذف ألف الاستفهام . [ واستشهد بشعر ] وحكي هذا الوجه عن ابن الأنباريّ ، وروى الضّحّاك عن ابن عبّاس : أنّ الحسنة هنا ما أصاب المسلمين من الظّفر والغنيمة يوم بدر ، والسّيّئة ما نكبوا به يوم أحد ، وعن عائشة : « ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتّى الشّوكة يشاكها حتّى انقطاع شسع نعله ، إلّا بذنب وما يعفو اللّه عنه أكثر » ، وقال تعالى : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ الشّورى : 30 . وقد تجاذبت القدريّة وأهل السّنّة الدّلالة من هذه الآيات على مذاهبهم ، فتعلّقت القدريّة بالثّانية ، وقالوا : ينبغي أن لا ينسب فعل السّيّئة إلى اللّه بوجه ، وجعلوا الحسنة والسّيّئة في الأولى بمعنى الخصب والجدب والغنى والفقر . وتعلّق أهل السّنّة بالأولى وقالوا : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عامّ يدلّ على أنّ الأفعال الظّاهرة من العباد هي من اللّه تعالى . وتأوّلوا الثّانية وهي مسألة يبحث عنها في أصول الدّين . وقال القرطبيّ : هذه الآيات لا يتعلّق بها إلّا الجهّال من الفريقين ، لأنّهم بنوا ذلك على أنّ السّيّئة هي المعصية ، وليست كذلك . والقدريّة قالوا : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ أي من طاعة ( فمن اللّه ) ، وليس هذا اعتقادهم ، لأنّ اعتقادهم الّذي بنوا عليه مذاهبهم أنّ الحسنة فعل المحسن والسّيّئة فعل المسئ ، وأيضا فلو كان لهم فيه حجّة لكان يقول : ما أصبت من حسنة وما أصبت من سيّئة ، لأنّه الفاعل للحسنة والسّيّئة جميعا ، فلا تضاف إليه إلّا بفعله لهما لا بفعل غيره ، نصّ على هذا الإمام أبو الحسن شيب بن إبراهيم بن محمّد بن حيدرة في كتابه المسمّى ب « حزّ الغلاصم في إفحام المخاصم » . وقال الرّاغب : إذا تؤمّل مورد الكلام وسبب النّزول فلا تعلّق لأحد الفريقين بالآية ، على وجه يثلج صدرا أو يزيل شكّا ؛ إذ نزلت في قوم أسلموا ذريعة إلى غنى وخصب ينالونه وظفر يحصّلونه فكان أحدهم إذا نابته نائبة أو فاته محبوب أو ناله مكروه ، أضاف سببه إلى الرّسول متطيّرا به ، والحسنة هنا والسّيّئة كهما في وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ الأعراف : 168 ، وفي فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ الأعراف : 131 ، انتهى . وقد طعن بعض الملاحدة فقال : هذا تناقض ، لأنّه قال : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وقال عقيبه : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ الآية . وقال الرّاغب : وهذا ظاهر الوحي ، لأنّ الحسنة والسّيّئة من الألفاظ المشتركة ، كالحيوان الّذي يقع على
--> ( 1 ) كذا والظّاهر : أو تلك .